مقالات برنامج دراسات الحوكمة والادارة العامة والاصلاح المؤسسي

الإصلاح المؤسسي في اليمن: إصلاح التشريع والاستدامة المؤسسية

د. محمد عيسى PDF متاح
الإصلاح المؤسسي في اليمن: إصلاح التشريع والاستدامة المؤسسية

يُعدُّ الإصلاح المؤسسي في اليمن ركيزةً محوريةً لا غنى عنها لاستعادة فاعلية مؤسسات الدولة وتفعيل قدراتها على إدارة الموارد وتقديم الخدمات العامة بفاعلية وكفاءة وفق قواعد واضحة ومستقرة. غير أن المقاربات التقليدية غالباً ما تحصر النقاش في نطاق إعادة الهيكلة الإدارية وتعديل الهياكل التنظيمية، متغافلةً عن الاختلال الأعمق الكامن في البيئة التشريعية والتنظيمية التي ترسم ملامح عمل تلك المؤسسات، وتضبط توزيع اختصاصاتها، وتحدد أطر الرقابة والمساءلة عليها.

وتتأكد أولوية هذا المدخل التشريعي في ظل ما أفرزته سنوات الصراع والانقسام من تداخل ملحوظ في الصلاحيات، وتفاوت بين النظم والإجراءات، فضلاً عن تقادم العديد من القوانين واللوائح وعجزها عن مواكبة التحولات العميقة في وظائف الدولة ومتطلبات الإدارة العامة الحديثة؛ وهو ما يؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الاختلالات ذاتها داخل هياكل جديدة إذا ما أُجريت الهيكلة بمعزل عن إصلاح الأساس التشريعي والتنظيمي.

ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يُنظر إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره مجرد عملية إدارية منفصلة، بل كمسار تكاملي يبدأ بمراجعة الإطار التشريعي لضبط الاختصاصات والعلاقات البينية، لتغدو الحوكمة والتحول الرقمي والرقابة أدواتٍ داعمةً تُعزز البناء الأصيل ولا تحل محله.

وتأسيساً على ذلك، تبرز مراجعة اللوائح وتعزيز الاستدامة المؤسسية كمدخلٍ أساسي لكل إصلاح قابل للدوام والنجاح، بينما تتكفل الآليات التنفيذية ومعايير الأداء الدقيقة بنقل هذا الإصلاح من مستوى النصوص النظرية والهياكل الجامدة إلى مستوى الممارسة العملية والنتائج الملموسة. ومن هنا يأتي هذا المقال ليناقش بعمق أولوية إصلاح التشريعات واللوائح التنظيمية، ويستجلي دور مؤسسات الرقابة والمراجعة، ويحدد متطلبات بناء مسار مؤسسي مستدام، تمهيداً لبلورة آليات تنفيذية تُتخذ معايير عملية لقياس الأداء المؤسسي ورصد الاختلالات ومعالجتها بصورة استباقية.

أولًا: اللوائح والاستدامة أولاً

يثير أسلوب إدارة المؤسسات جدلاً بحثياً وإدارياً حول إمكانية إعادة هيكلة المؤسسات بهدف التطوير والتحسين دون النظر إلى تحديث الأسس القانونية واللوائح التنظيمية؛ وذلك بغية دراسة الحاجة إلى تحديثها وتطويرها في ظل المتغيرات السياسية، والتفكك الإداري والتنظيمي للمؤسسات الحكومية، وغياب قاعدة البيانات الموحدة أو المعلومات المتكاملة نتيجة الصراع والانقسام المؤسسي في اليمن.

تضع هذه المتغيرات والمعطيات الإصلاحَ المؤسسي الذي أطلقته الحكومة في محك الصعوبات من جانب، وتبرز أهمية تفعيل وإصلاح مؤسسات الرقابة والمحاسبة وتطبيق معايير المراجعة والحوكمة من جانب آخر. وهنا يمكن استدراك الأولويات التي تضمن الاستدامة في عملية الإصلاح المؤسسي - الذي سيضمن حتماً إصلاحاً مالياً وإدارياً وتنظيمياً - وهي إصلاح مؤسسات الرقابة والمراجعة، من خلال إعادة صياغة لوائح وصلاحيات الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وتفعيل مبدأ العقاب والتفعيل الأمني والقضائي المحايد بما يمكن من تنفيذ أي إجراءات تصحيحية، وإلا فلن تؤول تلك الإجراءات إلى حلول فعلية متكاملة.

وبالنظر إلى الأولويات العاجلة التي يمكن أن تؤدي إلى تسريع واستدامة عملية الإصلاح في مؤسسات الدولة، تبرز المبادئ والضوابط الأساسية الآتية:

  • سيادة القانون: فلا إصلاح مؤسسياً خارج إطار الدستور والقانون، إلا بما يعدل ويطور اللوائح الداخلية للمؤسسات ليتوافق مع المعطيات الجديدة على الساحتين الداخلية والخارجية.
  • الشفافية والمساءلة: إرساء مرتكزات ومخرجات الإصلاح المؤسسي وآلياته ولوائحه على مبادئ كشف البيانات والمساءلة.
  • توزيع الصلاحيات وضبط المركزية: تحديد ما يجب أن يبقى مركزياً من السياسات والمعايير والموارد والبيانات والرقابة، وما يمكن تفويضه للمستويات الإدارية الأدنى في جانب التنفيذ والخدمات، إضافة إلى تحديد مراكز الإدارة المركزية التي تحفظ موارد الدولة وتوحد الإجراءات ضمن التوجه الموحد للتحول الرقمي من أسفل الهرم إلى أعلاه. ويأتي ذلك خلافاً للإصلاح المؤسسي التقليدي في إطار التنظيم والإدارة والمالية، والذي يعتمد على إصلاح رأسي من أعلى الهرم يحدد الإطار والسياسات، وإصلاح تشغيلي من أسفل الهرم الإداري يكشف الاختلالات ويحدد المتطلبات، مع نظام ربط أفقي يضمن توحيد المعايير وتبادل البيانات.
  • التحول الرقمي الشامل: اعتماد الإصلاح المؤسسي في إطار تطبيقه للتحول الرقمي الشامل، وبناء منظومة وطنية مترابطة للبيانات الحكومية وفق مستويات الصلاحية والخصوصية وطبيعة كل قطاع.

فإذا كان هناك توجه لوضع خطة مزمنة تُحدد مساراً موحداً للإصلاح المؤسسي لكل مؤسسة على حدة - بما يضمن معايير وطنية موحدة لجميع مؤسسات الدولة تتضمن مبادئ مشتركة كسيادة القانون، والهيكل الوظيفي والتنظيمي، والمسار المالي والإداري، ودليل الرقابة والمراجعة، ومعايير الحوكمة الحكومية - فإن تحديد الخطوط التي يمكن أن نُوحّد فيها مسار المعايير والإصلاح المؤسسي للدولة، ومعرفة متى تتفرع مسارات خاصة ومتخصصة، وكيفية الربط بين تلك المسارات، ومن ثم وضع المعايير الموجهة في رصد الانحرافات وتقييمها؛ يمثل أحد أهم الأسس والمقومات الأساسية للاستدامة وفق معايير وطنية مشتركة، ومعايير قطاعية ومؤسسية متخصصة.

وفي إطار النتائج المحتملة، يجب أن ندرك عنصر الاستدامة والخطوات والمراحل اللازمة للتنفيذ بفترات زمنية منفصلة تسهل رصد الاختلالات لكل مرحلة على حدة، مع الالتزام بعدم الانتقال إلى أي مرحلة ما لم تُصحَّح اختلالات المرحلة السابقة. فتكون البداية من التشريع، والتنظيم، والهياكل، والاختصاصات، والموارد البشرية والمالية، وإعداد الأدلة الإجرائية والعملياتية، والتحول الرقمي كنموذج عملي للإصلاح المؤسسي في اليمن. ذلك أن الحوكمة وحدها أو الهيكلة وحدها ليست الحل، بل إن البداية الصحيحة هي إصلاح الأساس التشريعي والتنظيمي، ثم تأتي الهيكلة باعتبارها منظومة لضبط التنفيذ والمساءلة، بينما يأتي التحول الرقمي كأداة للربط والقياس وليس كبديل لعملية الإصلاح المؤسسي.

ثانيًا: الآليات كمعايير للأداء

قد نضع اللوائح والأنظمة في الدولة ونقرها، ونضع الهياكل الإدارية القائمة على المهام والأهداف التي أُنشئت من أجلها الوزارات والمؤسسات، وهذه خطوة جيدة في أساسها. لكن غياب الآليات التنفيذية لهذه اللوائح وبعض القوانين يمثل أحد أهم الصعوبات والمعوقات في عملية التطوير وقياس الأداء، إذ تعد تلك الآليات أحد المعايير لمؤشرات التطوير والتحسين المستمر، كون الآليات التنفيذية (سواء كانت إدارية أو مالية أو فنية أو عملياتية) مساراً تُحدد من خلاله الانحرافات في الأداء أو التنظيم لتوضع خطة لتصحيحها ضمن خطة التطوير. ويأتي غياب تلك الآليات في مؤسسات الدولة في اليمن على وجهين:

  • عدم التفعيل: الناتج عن نقص المعرفة أو التدريب والتأهيل لتطبيق تلك الآلية.
  • الغياب التام: في المؤسسات ذات الاستقلالية المالية والإدارية، وإن وجدت فهي مغيبة أو تحتاج إلى ربط فعلي، وهنا يأتي دور الدولة في تطوير الأداء المؤسسي من هذا الجانب.

ويمكن الإشارة ختاماً إلى أن المسار التأسيسي يتمثل في إصلاح التشريع والرقابة اللذين يشكلان البيئة التأسيسية للإصلاح، بينما تمثل الهيكلة والآليات والتحول الرقمي أدوات تنفيذية له. كما يجب تفعيل الأجهزة الرقابية والمراجعة الداخلية بحيث تصبح الرقابة ممارسة فعلية وليست مجرد اختصاص، وتحمل في إطارها معايير إلزامية موحدة للمؤسسات الحكومية، لتمثل المؤسسات الرقابية أداة للتثقيف وآلية لضمان الالتزام بالإصلاح وتصحيح الانحرافات، لا أداة عقاب للمؤسسات.

وفي المقال القادم، سنوضح ما هي مراحل تنفيذ الإصلاح المؤسسي الذي يمكن أن يقوم عليه المشروع، وما هي الآليات التنفيذية ودورها في تحقيق الاستدامة لعملية الإصلاح المؤسسي.

قراءة تنزيل
الوسوم:
#اليمن #مركز اليمن والخليج #الإصلاح المؤسسي #
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.