Private files

اليمن على عتبة حرب شاملة: قراءة خبراء مركز اليمن والخليج للدراسات في الدوافع والحسابات والسيناريوهات

Yemen and Gulf Center for Studies
اليمن على عتبة حرب شاملة:  قراءة خبراء مركز اليمن والخليج للدراسات في الدوافع والحسابات والسيناريوهات

اليمن على عتبة حرب شاملة:  قراءة خبراء مركز اليمن والخليج للدراسات في الدوافع والحسابات والسيناريوهات

 

دخل الصراع اليمني، في 10 سبتمبر/أيلول 2026، مرحلة جديدة تتجاوز في دلالاتها حدود جولة عسكرية إضافية، بعدما تمكنت جماعة الحوثيين من تحقيق اختراق ميداني واسع على الساحل الغربي، شمل السيطرة على حيس والخوخة والمخا ومينائها الاستراتيجي. وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأنها أعادت خلال فترة قصيرة تشكيل خريطة السيطرة على امتداد الساحل الغربي، ودفعت الحوثيين إلى الاقتراب من نطاق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية. ولا تكمن خطورة التطور في السيطرة على مدن ساحلية منفردة بقدر ما تكمن في الترابط الجغرافي والعملياتي بينها، بما يمنح الجماعة مجالًا أوسع للحركة جنوبًا ويعزز قدرتها على التأثير في المجال الساحلي الممتد من جنوب الحديدة إلى المخا ومضيق باب المندب.

ويأتي هذا التحول في سياق تصعيد متزامن على أكثر من جبهة، مع انتقال المواجهة من نمط الضغط المتبادل إلى عمليات عسكرية تستهدف تغيير ميزان السيطرة على الأرض، بالتزامن مع تصعيد الحوثيين تجاه السعودية والمنشآت المرتبطة بالطاقة. وفي المقابل، تواجه القوات الحكومية وحلفاؤها اختبارًا عسكريًا وسياسيًا بالغ الصعوبة يتعلق بقدرتها على وقف الزخم الحوثي وإعادة تنظيم خطوط الدفاع، في ظل تساؤلات حول طبيعة وحجم الدعم السعودي، ومستوى الإسناد الجوي واللوجستي، وقدرة القوات اليمنية على خوض مواجهة ممتدة. كما أن السيطرة على المخا ترفع كلفة أي تراجع إضافي، إذ لم تعد المعركة مرتبطة بالدفاع عن مواقع برية فحسب، بل بحماية الساحل الغربي والمجال البحري القريب من باب المندب ومنع تحوله إلى منصة ضغط مستدام على الملاحة الدولية.

ومن هنا، يطرح مركز اليمن والخليج للدراسات هذا التقرير لقراءة التحول الراهن من خلال سؤال مركزي: هل تمثل السيطرة الحوثية على الساحل الغربي بداية لعملية عسكرية أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة السيطرة وصولًا إلى باب المندب، أم أنها ورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض؟ ويناقش التقرير دوافع التصعيد وحسابات الحوثيين وإيران، وخيارات السعودية والولايات المتحدة والحكومة اليمنية، وقدرة القوات المناهضة للحوثيين على استعادة المبادرة، فضلًا عن السيناريوهات المحتملة على الدولة اليمنية والاقتصاد والوضع الإنساني وأمن السعودية والبحر الأحمر والملاحة الدولية. وبذلك، فإن سقوط حيس والخوخة والمخا لا يمثل مجرد تحول في خريطة العمليات، بل اختبارًا جديدًا لقدرة الأطراف المناهضة للحوثيين على منع تحويل التفوق الميداني إلى واقع سياسي وجغرافي طويل الأمد، وتحديد ما إذا كان اليمن يدخل بالفعل مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة.

ـــــــــــــ
دوافع التصعيد الحوثي

مصطفى محمود، مدير برنامج الدراسات السياسية

 

يتجاوز التصعيد الحوثي الأخير إطار المناورات التقليدية لاختبار الجاهزية أو تحسين شروط التفاوض، ليتبلور كمسعى جاد لإعادة هندسة ميزان القوى الميداني قطعا للطريق أمام أي تسوية سياسية مرتقبة؛ إذ شهد مطلع سبتمبر اتساعاً غير مسبوق للمواجهات العسكرية مقارنة بفترة ما بعد هدنة 2022، امتدت جبهاتها عبر الجوف، والبيضاء، والضالع، مأرب، وتعز، والحديدة، بالتزامن مع هجوم واسع على الساحل الغربي توج بالسيطرة على حيس، والخوخة، والمخا، في العاشر من سبتمبر. وقد اتخذ هذا الصراع طابعاً بالغ الخطورة بين الثالث والسابع من سبتمبر مسجلاً حصيلة بشرية بلغت 276 قتيلاً خلال خمسة أيام فقط، في أدمى جولة مواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية منذ انهيار الهدنة. ولا تعكس هذه التطورات مجرد عودة مؤقتة إلى القتال فقط، وإنما انتقالًا من إدارة خطوط التماس إلى محاولة تغييرها وفرض وقائع ميدانية جديدة.

وتكشف خريطة العمليات أن التصعيد الحوثي يقوم على ضغط متعدد المحاور أكثر من كونه هجومًا باتجاه هدف واحد. ففي الساحل الغربي، استهدفت الجماعة السيطرة على حيس والخوخة والمخا، بما يتيح لها توسيع مجالها على الساحل والاقتراب من باب المندب؛ وهو تطور تتجاوز قيمته العسكرية حدود المدن نفسها، لأن السيطرة على المخا تمنح الحوثيين حضورًا مباشرًا على مقربة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي المقابل، شهدت الجوف والبيضاء والضالع وتعز تحركات وهجمات متزامنة، بما يفرض على القوات الحكومية توزيع قدراتها واحتياطاتها على جبهات متعددة. وتزداد أهمية الجوف بصورة خاصة باعتبارها بوابة باتجاه مأرب وصعدة وصنعاء، بينما تمثل البيضاء مجالًا مهمًا للضغط على خطوط الاتصال بين مناطق سيطرة الحوثيين والجنوب، وتحتفظ الضالع وتعز بأهمية عملياتية بالنسبة إلى طرق الربط بين الوسط والجنوب والساحل. ومن ثم، فإن العمليات الحكومية في هذه المحاور، تكشف أن التصعيد لم يعد مبادرة حوثية منفردة، بل تحول إلى مواجهة متبادلة لإعادة رسم خطوط السيطرة؛ إذ أعلنت القوات الحكومية منذ أوائل سبتمبر تنفيذ هجمات جوية وبرية في الجوف والبيضاء وتعز ومناطق أخرى، بالتزامن مع سعيها إلى استعادة المبادرة وفتح طرق ضغط باتجاه صنعاء والساحل.

ويبدو أن أحد أهم دوافع الحوثيين يتمثل في قطع الطريق أمام أي توازن عسكري مضاد، إدراكاً منهم بأن إطالة أمد الجمود الميداني تمنح الخصوم فرصة ذهبية لإعادة تنظيم الصفوف، وتوحيد القيادات، وتعزيز التنسيق بدعم سعودي لبناء قدرة هجومية منظمة؛ وهو ما دفعهم إلى مغادرة المربع الدفاعي نحو الهجوم المباغت لتشتيت القوات الحكومية عبر فرض تهديدات متعددة المسارح. ويتكامل هذا التصعيد البري مع استهداف العمق السعودي كأداة ضغط استراتيجية لرفع كلفة الانخراط العسكري للرياض ودفعها نحو إعادة تقييم مستويات دعمها للشرعية، حيث يتزامن القتال على الجبهات الداخلية مع هجمات مركزة تستهدف البنية التحتية للطاقة والأصول الاقتصادية في المملكة بغية توظيف الورقة الاقتصادية لانتزاع مكاسب تفاوضية.

سياسيًا، يهدف الحوثيون إلى إثبات أن ميزان القوة لا يمكن تثبيته من دون أخذهم في الاعتبار كطرف قادر على تغيير الوقائع بالقوة. فالمكاسب العسكرية، وخصوصًا السيطرة على مواقع ساحلية واستراتيجية، تمنح الجماعة أوراقًا تفاوضية تتجاوز قيمتها الجغرافية المباشرة؛ إذ يمكن تحويلها إلى مطالب سياسية وأمنية واقتصادية في أي مسار تفاوضي مقبل. وتكتسب السيطرة على المخا تحديدًا قيمة إضافية لأنها تنقل الصراع من مجرد منافسة على الأراضي إلى منافسة على المجال البحري وباب المندب والملاحة الدولية. مما يضع مقاربات المضيق تحت المجهر وينعكس تصعيداً في حدة المخاوف العالمية المرتفعة حيال أمن التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

كما يعكس التصعيد الحوثي تداخلاً إقليمياً وثيقاً مع استراتيجية إيران؛ حيث تستغل الجماعة موقعها الحساس قرب باب المندب لخدمة أجندة طهران، متزامنةً مع هجماتها على السعودية. هذا الارتباط يمنح الحوثيين قدرة على ربط جبهة اليمن بصراعات المحور الإقليمي واستخدام الجغرافيا كورقة ضغط في مواجهة التحالف والولايات المتحدة ضمن صراع أوسع تديره إيران.

وبناءً على ذلك، يسعى التصعيد الحوثي إلى استباق إعادة بناء قدرات الخصوم العسكرية، تحسين المواقع الاستراتيجية في الساحل والداخل، ورفع كلفة الحرب لفرض معادلة سياسية جديدة. وفي المقابل، تتعامل القوات الحكومية مع هذا التصعيد كفرصة لكسر حالة الجمود واستعادة المبادرة. ويكمن الخطر الأساسي في انزلاق هذه المواجهات المتزامنة نحو حرب مفتوحة لإعادة رسم خريطة السيطرة في اليمن، حيث سيتحدد مسار الصراع المستقبلي بناءً على قدرة أي من الطرفين على تحويل مكاسبه الميدانية إلى ورقة ضغط حاسمة تفرض شروطها على أي تسوية سياسية مقبلة.

ـــ
التصعيد الحوثي وإعادة تشكيل شروط التفاوض

د. علي الأسد، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات

 

لا يبدو تصعيد جماعة الحوثي بديلاً عن التفاوض بقدر ما يمثل استراتيجية لتحسين موقعها التفاوضي قبل العودة إلى أي مسار سياسي. ويمكن فهم هذا التصعيد باعتباره محاولة لزيادة المكاسب عبر رفع كلفة البدائل أمام الحكومة الشرعية وحليفتها السعودية؛ فبدلًا من الدخول في مفاوضات تكرّس موازين القوى القائمة منذ هدنة 2022، تسعى الجماعة إلى إثبات أن استمرار الوضع الراهن ينطوي على كلفة أمنية وسياسية واقتصادية متزايدة على الحكومة الشرعية والسعودية، بما قد يدفعهما إلى إعادة تقييم مواقفهما وتقديم تنازلات تفاوضية أكثر ملاءمة لمصالح الحوثيين.

وتستند هذه الحسابات إلى طبيعة الترتيبات التي طرحتها خارطة الطريق الأممية لعام 2023، والتي ربطت بين وقف إطلاق النار واستئناف تصدير النفط ودفع رواتب القطاع العام وفتح الطرق والموانئ ضمن حزمة تفاوضية واحدة. ولذلك، لا تتعامل جماعة الحوثي مع هذه الملفات باعتبارها قضايا اقتصادية أو إنسانية منفصلة، وإنما باعتبارها أوراقًا يمكن أن تؤثر في توزيع الموارد والنفوذ وشكل الترتيبات السياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هنا، يصبح التصعيد وسيلة للحفاظ على هذه الملفات داخل معادلة القوة والتفاوض، ومنع التوصل إلى ترتيبات تقلص نفوذ الجماعة أو تحد من قدرتها على التأثير في الموارد والممرات الحيوية.

غير أن هذه الاستراتيجية تظل محكومة بحدود دقيقة؛ فرفع كلفة عدم الاتفاق قد يحسن الموقع التفاوضي للحوثيين على المدى القصير، لكنه قد يدفع السعودية والحكومة اليمنية في المقابل إلى تشديد مواقفهما، وتعزيز خيارات احتواء التهديد وتقليص قدرة الجماعة على استخدام الموارد والممرات الحيوية كورقة ضغط. وعليه، تتوقف فاعلية التصعيد على قدرة الحوثيين على إبقاء التهديد عند مستوى يحقق مكاسب تفاوضية دون أن يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة أو تغيير حسابات الأطراف الأخرى، بما يحوّل أداة الضغط من وسيلة لتحسين شروط التسوية إلى عامل يضعف فرصها.

في قلب هذه الحسابات تقف السعودية، بوصفها الطرف الإقليمي الأكثر قدرة على التأثير في البيئة الأمنية والسياسية والاقتصادية للحكومة اليمنية. ويبدو أن الحوثيين يراهنون على أن الضغط على المصالح والحدود السعودية سيرفع قيمة التهدئة بالنسبة إلى الرياض، ويدفعها إلى تجنب العودة إلى مسار استنزاف طويل ومكلف. غير أن هذا الرهان ينطوي على مخاطرة عكسية؛ فإذا تجاوز التصعيد مستوى يمكن احتواؤه، فقد تنتقل الرياض من إدارة المخاطر إلى تبني خيارات أكثر حسمًا تجاه الجماعة، بما يقلص المكاسب التي يفترض الحوثيون تحقيقها من الضغط. وفي هذه الحالة، قد يتحول التصعيد من أداة لفرض التنازلات إلى عامل يدفع الطرفين نحو تشديد مواقفهما، ويضيّق هامش المناورة الدبلوماسية بدل توسيعه.

ويمتد هذا الرهان إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمنح تهديد الملاحة الدولية الحوثيين قدرة على نقل الصراع من نطاقه اليمني إلى مستوى إقليمي ودولي، وإدخال الولايات المتحدة والسعودية وغيرهما من الفاعلين في معادلة أمن الممرات البحرية. وتزداد أهمية هذه الورقة مع ارتباطها بالساحل الغربي، بما يتيح للجماعة الجمع بين الضغط على الخصوم داخل اليمن وتهديد المصالح المرتبطة بالتجارة والطاقة والأمن البحري. ومن منظور أوسع، يتقاطع هذا البعد مع الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توظيف المواقع الجغرافية والممرات الحيوية لتعظيم القدرة على الردع والضغط، بما يسمح للحوثيين بتحويل المكاسب الميدانية المحدودة إلى نفوذ يتجاوز السيطرة على الأرض نفسها. ولذلك، لا يرتبط الهدف فقط بحسم عسكري شامل، وإنما بترسيخ الجماعة بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة، والحفاظ على نفوذها في الموارد والمواقع الاستراتيجية، والحصول على ترتيبات أو ضمانات تحد من مخاطر فقدان مكاسبها العسكرية، مع الإبقاء على قدرتها على التأثير في أمن الملاحة كإحدى أهم أوراق الضغط التفاوضي.

غير أن فاعلية هذه الاستراتيجية تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحوثيين على تقدير حدود ردود أفعال خصومهم، وهي مهمة تزداد صعوبة في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار وتتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. فالطرف الحوثي لا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين الحد الأقصى الذي يمكن للسعودية والحكومة اليمنية تحمله، كما يصعب على هذه الأطراف تحديد اللحظة التي قد تتراجع فيها الجماعة أو تنتقل إلى مستوى أعلى من التصعيد. ومن ثم، تنشأ معضلة سوء التقدير؛ فقد يرفع أحد الأطراف مستوى الضغط بهدف تحسين موقعه التفاوضي، بينما يفسر الطرف الآخر الخطوة باعتبارها مؤشرًا على الاستعداد لمواجهة أوسع، فيرد بإجراءات مضادة تؤدي إلى تصعيد متدرج لم يكن أي من الطرفين يستهدفه ابتداءً. ومع استمرار هذه الحلقة، يمكن أن تتراجع فرص التسوية ليس لأن التسوية أصبحت أقل فائدة، وإنما لأن انعدام الثقة وارتفاع المخاطر يدفعان الأطراف إلى إعطاء الأولوية للتحوط والردع على حساب التفاوض.

ومن هنا، يبرز الفارق بين التصعيد المحسوب والتصعيد المفرط، فالتصعيد المحسوب يمكن أن يؤدي وظيفة تفاوضية إذا أبقى الضغط ضمن مستوى يدفع الخصوم إلى تقديم تنازلات أو إعادة حساباتهم دون أن يغير طبيعة الصراع. أما عندما يتجاوز التصعيد هذه الحدود، فقد يعيد تشكيل أهداف الأطراف الأخرى نفسها، بحيث تنتقل من محاولة احتواء الصراع وإدارته إلى تقليص قدرات الحوثيين ومنعهم من استخدام القوة والموارد والممرات الحيوية كأدوات للضغط السياسي. وعند هذه النقطة، لا يعود التصعيد وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بل يصبح عاملًا يضيق منطقة الاتفاق الممكن ويجعل أي تسوية أكثر صعوبة، لأن الأطراف تبدأ في بناء حساباتها على أساس مواجهة التهديد بدل احتوائه.

وخلاصة القول، يرتكز جوهر الحسابات الحوثية على ضبط مستويات القوة لتغليب خيار التفاوض على الجمود، شريطة ألا يفضي هذا الضغط إلى دفع الخصوم لاعتبار الحرب الشاملة خياراً أقل كلفة وأعلى جدوى؛ وهو رهان استراتيجي معقد ينطوي على مخاطرة عالية لاسيما مع بروز مؤشرات متزايدة على تجاوز الجماعة لتلك الخطوط الفاصلة بالسيطرة على الساحل الغربي واستهداف العمق السعودي وتصعيد التهديد في البحر الأحمر. وعليه، فإن هذا الانزلاق نحو التمدد المفرط يضع الجماعة أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن اختراق عتبة المواجهة الشاملة سيعيد صياغة أهداف الفاعلين الإقليميين والدوليين نحو الخيار العسكري المباشر، محولاً ورقة الضغط التفاوضي إلى عامل تقويض بنيوي يهدد مكتسبات الجماعة ونفوذها الاستراتيجي برمه.

ـــ
الحوثيون وإيران: تداخل الحسابات المحلية والصراع الإقليمي

علاء أبوبكر صالح، مدير برنامج الدراسات الأمنية

 

 يمثل التصعيد الحوثي في اليمن بشكل عام وفي منطقة البحر الأحمر بشكل خاص نموذجاً معقداً يدمج بين الحسابات الذاتية للمليشيا والاستراتيجية الإيرانية في الاقليم وفقاًً لنظرية الفوضى الخلاقة (Creative Chaos) التي تعد إطاراً كاشفاً لفهم التصعيد الحوثي وحساباته المتداخلة إقليمياً ودولياً، حيث يتم توظيف الاضطراب كأداة لبناء واقع استراتيجي مغاير لتفكيك الاستقرار القائم وإعادة هندسة بيئة أمنية ونظام سياسي يخدم المصالح الذاتية للحوثيين والنفوذ الإيراني والامريكي، ومن منظور الحسابات الذاتية، يعتمد بقاء الحوثيين على استدامة "الفوضى المنظمة" محلياً؛ إذ يتيح التصعيد البحري تقويض محاولات الاستقرار الداخلي التي قد تُسائل الجماعة عن التزاماتها في الحكم، مع إعادة إنتاج "شرعية ثورية" قائمة على إدارة الأزمات والهروب من الأزمات الاقتصادية وتحويل السخط الشعبي لها نحو عدو خارجي مستغلةً التعاطف مع القضية الفلسطينية لرفع كفاءة الحشد والتجنيد بين صفوف اتباعها.

وتتكامل هذه الديناميكية مع الرؤية الإيرانية الإقليمية التي تسعى لتفكيك المنظومة الأمنية الغربية في الشرق الأوسط؛ إذ يعمل الحوثيين كذراع متقدمة لما يسمى "محور المقاومة" يتيح لطهران ممارسة "الردع بالوكالة"، وتهديد خطوط الملاحة الدولية ومصالح الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مستندةً في ذلك على تدفقات الدعم الاستخباراتي واللوجستي والتقني الإيراني مما يجبر القوى الكبرى على الاعتراف بطهران كفاعل مهيمن في أي معادلة أمنية ناشئة مستغلةً التخوم البحرية لليمن كخطوط هجوم مرنة، بينما تعتبر الولايات المتحدة الامريكية الفوضى الخلاقة جزءًا من خطة استراتيجية أمريكية تهدف إلى تحقيق هيمنتها على منطقة الشرق الاوسط عبر تفكيك الأنظمة السياسية القائمة وإعادة تشكيلها بما ينسجم مع مصالحها الحيوية وما يتوافق مع المصالح الغربية والإسرائيلية.

ويرتبط مستقبل السلوك الحوثي ومالات الصراع في اليمن باتجاه بوصلة هذه الفوضى في المواجهة الإقليمية (الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية) وفق سيناريوهين: أولهما سيناريو الفوضى الشاملة وغير المحسوبة (تفكك المحور)؛ إذ في حال توسع المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا، سينخرط الحوثيون بشكل أعمق كخط دفاعي وهجومي متقدم لطهران. وإذا أدت هذه المواجهة إلى ضربات بنيوية غربية قاسية تفوق قدرة المليشيا على استيعاب الصدمات، فإن الفوضى سترتد عكسياً؛ حيث سينتج عن تكثيف الضربات على بنيتهم التحتية انهيار خطوط الإمداد الاستراتيجي، وخروج الاضطراب عن السيطرة الإيرانية، مما يجهض فرص التسوية ويؤدي إلى تشظي القوة العسكرية للحوثيين، وتجدد الصراع الداخلي مع بروز قوى محلية منافسة تعيد رسم الخارطة اليمنية من الصفر.

وثانيهما سيناريو النظام الناشئ من الفوضى والتهدئة المشروطة (التسوية بابتزاز الردع)؛ فإذا نجح التصعيد البحري في فرض معادلة ردع جديدة، أو اتجهت الأطراف الإقليمية نحو خفض التصعيد وصياغة تفاهمات جديدة، فقد تتراجع حدة العمليات الحوثية بأوامر إيرانية، لكن الفوضى الحالية ستكون قد أنتجت نظاماً جديداً. وفي هذا السياق، ستضطر القوى الدولية للاعتراف بالحوثيين كقوة أمر واقع مهيمنة، حيث ستحتفظ المليشيا بقدراتها الصاروخية وتوظف قدرتها على صناعة الفوضى المنظمة كأداة رئيسية لابتزاز الجوار الإقليمي وفرض شروطها لتأمين المكتسبات السياسية والمادية في أي تسوية داخلية مستقبلية.

في المحصلة، تحول الحوثيون إلى عامل حركي لإدارة الاضطراب الإقليمي وإعادة هندسة نظام جيوسياسي يضمن بقاءهم وتمدد النفوذ الإيراني، متجاوزين دورهم كفاعل محلي ليصبحوا رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية. ومع تمسك القوى السياسية الأخرى بنفوذها في مناطق سيطرتها بشرق وغرب وجنوب اليمن، أصبح قرار الحرب والسلام في البلاد رهيناً تاماً بمعادلات التوازن الدولي، والتوافقات الكبرى، وصراعات القوى في الشرق الأوسط.

ـــــــ
حرب تحريك أم حرب تحرير: كيف تتعامل حكومتا اليمن والسعودية مع التصعيد الحوثي الأخير؟

د. محمد فضل، مدير برنامج الدراسات الإقليمية والدولية

 

تطور المشهد العسكري في اليمن بوتيرة متسارعة منذ إعلان الحوثيين في 20 يوليو 2026 عزمهم استهداف السفن السعودية المارة عبر باب المندب؛ إذ سرعان ما تحولت عمليات القصف المتبادلة بالطائرات المسيرة بين الجيش اليمني والمليشيات إلى مواجهات برية واسعة على طول خطوط التماس، بدأت فعلياً بهجوم حوثي على عدة مناطق قريبة من المضيق في الثالث من سبتمبر، ليرد الجيش اليمني بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم من خلال تنفيذ عملية عسكرية واسعة في السابع من سبتمبر استهدفت استعادة السيطرة على محافظة الجوف أقصى شمال البلاد.

هذا التصعيد الأخير في اليمن لا يمكن فصله عن تصاعد الأحداث الدائرة في مضيق هرمز والخليج العربي، خصوصاً مع إعلان إيران عزمها على تطبيق منطقة حظر بحري خارج مضيق هرمز، لتستهدف السفن التي تعتزم دخول مضيق هرمز قبل وصولها لهرمز، وذلك في إشارة واضحة إلى أن إيران قد تقوم مباشرة بمهاجمة السفن في مضيق باب المندب قبل وصولها إلى مضيق هرمز.

وانطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية وبدعم عسكري ودبلوماسي مكثف منها، تسعيان إلى شن عملية عسكرية واسعة لإنهاء سيطرة المليشيات الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء، مستفيدتين من القناعة الدولية المتزايدة بأن المليشيات الحوثية لا ترغب في التنازل عن أهدافها الإيديولوجية النابعة من معتقداتها الدينية، شأنها في ذلك شأن سائر الجماعات الإرهابية، وبأن الجماعة تمتلك أهدافًا دولية وإقليمية تسعى إلى تحقيقها من خلال تهديد حرية الملاحة الدولية، وتسعى إلى تحويل مضيق باب المندب إلى ورقة ضغط لانتزاع المزيد من التنازلات من المجتمع الدولي.

 وفي هذا السياق يأتي تصريح جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، بالقول إن الولايات المتحدة تعاملت سابقاً بشكل خاطئ مع الحوثيين من منطلق فكرة كونهم "ضحايا مضطهدين"، بينما هم في حقيقة الأمر جماعة إرهابية، وبالتالي فمن مصلحة الولايات المتحدة دعم الجهود السعودية واليمنية الرامية إلى بسط نفوذ الحكومة الشرعية على كامل الأراضي اليمنية، مما يعزز من فرص تحييد التهديدات المستقبلية التي قد تمس حرية الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، ويحد من قدرة إيران على استخدام ورقة باب المندب عبر المليشيات الحوثية.

وعلاوة على ما سبق، عقد الكونجرس الأمريكي في الأول من سبتمبر 2026 جلسة استماع رسمية تحت عنوان "مكافحة إرهاب الحوثيين: حماية مصالح وأمن الولايات المتحدة في البحر الأحمر"، خلصت إلى ضرورة تبني إستراتيجية أمريكية بعيدة المدى لتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر، ترتكز جوهريًا على تمكين الحكومة اليمنية من بسط سيطرتها على كافة المحافظات اليمنية؛ إذ يرى المشروعون أن قوة الحوثيون مستمدة من سيطرتها الجغرافية، مما يحتم تقديم واشنطن دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا مكثفًا للجيش اليمني يعزز قدراته الميدانية على تحرير المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وقطع دابر تهديداتهم المستمرة للممرات الحيوية.

وخلاصة القول؛ تعلم حكومتا اليمن والسعودية بأن الوضع الدولي والإقليمي مُهَيَّأ لقبول عملية عسكرية واسعة ضد المليشيات الحوثية، ففي السابق عرقلت الدول الغربية والولايات المتحدة تحرير الحديدة وغيرها من المناطق اليمنية الهامة من منطلق "إنساني"، ومارست ضغوطاً هائلة لتجميد العمليات العسكرية ضد المليشيات. أما اليوم، فهذه الحكومات تدرك بأن استمرار حكم المليشيات الحوثية يعني استمرار تهديد حرية الملاحة الدولية واستمرار الضغط على الاقتصاد العالمي، وبالتالي أصبحت مصلحة هذه الدول تتقاطع مع المصلحة اليمنية والسعودية، والمتمثلة في إنهاء السيطرة الحوثية على ما تبقى من مناطق اليمن، وليس فقط المناطق الساحلية أو غيرها من المناطق القريبة من باب المندب، فالصواريخ طويلة المدى والطائرات المسيرة التي يمتلكها الحوثيون تستطيع تهديد حرية الملاحة من أي منطقة في اليمن، ولا ينتهي هذا التهديد إلا بانتهاء حكمها.

ـــــــــ
اليمن أمام احتمالات التصعيد: قراءة في المآلات والكلفة الإنسانية

أمة الخالق السقاف، مديرة برنامج دراسات الأزمة الإنسانية

 

يكشف التصعيد المتجدد في محافظتي تعز والحديدة منذ 4 سبتمبر/أيلول 2026 عن انتقال الصراع من حالة الاستقرار النسبي على خطوط التماس إلى إعادة اختبار موازين السيطرة على الجبهة الغربية، في محاولة من جماعة الحوثي لتحسين موقعها الميداني على امتداد الممرات والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية على الساحل وباب المندب، مقابل تحرك حكومي لمنع هذا التقدم واستعادة بعض المواقع التي سيطرت عليها جماعة الحوثي في بداية التصعيد الحالي. وتكتسب هذه الجولة أهميتها من أنها تأتي في سياق إنساني واقتصادي مستنزف أصلًا، بما يجعل أي اتساع في نطاق القتال قابلًا للتحول سريعًا من مكسب عسكري محدود إلى كلفة إنسانية أوسع نطاقًا.

وقد ظهرت الكلفة الإنسانية للتصعيد بصورة حادة منذ الأيام الأولى للقتال، إذ نزح نحو 18,500 شخص خلال 72 ساعة فقط، بالتزامن مع اتساع المواجهات على طول الساحل الغربي وأجزاء من محافظتي تعز والحديدة. ومنذ 3 سبتمبر/أيلول، اضطرت أسر من المناطق المتضررة إلى الفرار نحو المجتمعات المضيفة ومواقع النزوح، في ظل محدودية الموارد والقدرة على الاستجابة، فيما تعرض بعض النازحين للنزوح المتكرر.

ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها، تصاعدت أعداد المتضررين بصورة أكبر؛ إذ كشفت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن عن ارتفاع حصيلة النزوح القسري الناجم عن القصف وتدهور الأوضاع الأمنية إلى 6,269 أسرة، تضم 44,149 فردًا، في خمس محافظات هي تعز والحديدة ولحج وعدن وأبين، حتى 8 سبتمبر/أيلول 2026. وتعكس هذه الأرقام انتقال تداعيات التصعيد من خطوط المواجهة إلى المجال المدني، بما يفاقم هشاشة السكان ويزيد الضغوط على المجتمعات والمناطق المستقبلة للنازحين، ويحد من قدرتها على التعامل مع موجات النزوح المتسارعة.

وتزداد خطورة ذلك في ظل أزمة إنسانية واسعة النطاق، إذ يحتاج نحو 22.3 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة والحماية، بينما يواجه 18.3 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويُقدَّر عدد النازحين داخليًا بنحو 5.2 مليون شخص. ولا تقتصر آثار استمرار القتال في هذا السياق على توليد احتياجات إنسانية جديدة، بل تمتد إلى إعادة توزيعها جغرافيًا، واستنزاف قدرات المجتمعات المضيفة، وتعقيد وصول المساعدات والخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة الاستجابة الإنسانية على تلبية هذه الاحتياجات.

وقد بلغ تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن في عام 2026 نحو 437.9 مليون دولار فقط، أي 20.3% من إجمالي النداء البالغ 2.16 مليار دولار، مع فجوة تمويلية تُقدَّر بنحو 1.72 مليار دولار، أو 79.7% من الاحتياجات المطلوبة. ويحوّل هذا العجز التموِيلي الأزمة الإنسانية إلى ضغط مباشر على قدرة السلطات المحلية والمؤسسات العامة على الاستجابة، إذ تجد نفسها مطالبة بإدارة موجات النزوح وتوفير الخدمات الصحية والغذائية والأساسية في بيئة تتسم أصلًا بمحدودية الموارد وتفاوت القدرات المؤسسية، بما يجعل أي تصعيد عسكري جديد عاملًا مضاعفًا للهشاشة الإنسانية والمؤسسية في آن واحد.

وتتسع دائرة الكلفة مع استمرار التدهور الاقتصادي وامتداد المخاطر إلى المجال الإقليمي. فصندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد اليمني بنسبة 1.5 في المائة في عام 2026، للعام الخامس على التوالي، بما يضعف قدرة المؤسسات العامة على تمويل الخدمات الأساسية والاستجابة للاحتياجات المتزايدة. وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد التهديدات في البحر الأحمر إلى تغيير بعض ترتيبات النقل البحري؛ إذ اتجهت ناقلات نفط سعودية إلى تغيير مساراتها أو تقليل ظهورها في أنظمة التتبع لتجنب المخاطر، فيما ارتفعت كلفة التأمين على مخاطر الحرب وتحولت بعض الشحنات إلى مسارات بديلة، بما يزيد كلفة النقل ويضاعف احتمالات انتقال آثار التصعيد إلى الاقتصاد اليمني والإقليمي.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن استمرار القتال في اليمن خلال المدى القريب سيعني، قبل كل شيء، استمرار الكلفة الإنسانية المباشرة على السكان، من خلال سقوط المزيد من الضحايا، واتساع نطاق النزوح، وتضرر سبل العيش، وتزايد الضغوط على الخدمات الأساسية. وكلما طال أمد المواجهات واتسعت جغرافيًا، ازدادت صعوبة وصول المساعدات إلى المتضررين، وتفاقمت أوضاع الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، ولا سيما في المناطق التي تعاني أصلًا من هشاشة الخدمات ومحدودية الموارد. كما أن استمرار النزوح قد يدفع بعض الأسر إلى النزوح المتكرر، بما يفاقم فقدان المأوى والاستقرار ويزيد من الاحتياجات المرتبطة بالغذاء والمياه والرعاية الصحية والحماية.

وفي المقابل، تظل التهدئة ووقف القتال المسار الأقل كلفة إنسانيًا، إذ يتيحان الحد من الخسائر البشرية، ووقف موجات النزوح الجديدة، وتحسين وصول المساعدات، وتهيئة الظروف أمام الأسر المتضررة لاستعادة قدر من الاستقرار. غير أن الأثر الإنساني لأي تهدئة سيظل مرتبطًا بقدرتها على الصمود ومنع تجدد القتال؛ فوقف مؤقت للمواجهات لا يعالج بالضرورة آثار الحرب المتراكمة، ولا يضمن عودة النازحين أو استعادة الخدمات، ما لم يترافق مع إجراءات مستدامة لحماية المدنيين ومعالجة الاحتياجات الإنسانية المتزايدة في مختلف مناطق اليمن.

ـــــــــ
التصعيد واختبار الدولة: القدرات المؤسسية وإدارة الموارد في اليمن

د. محمد عيسى، مدير برنامج الحوكمة والإدارة العامة والإصلاح المؤسسي

 

لا يختبر التصعيد في اليمن قدرة الأطراف على خوض المواجهة العسكرية فحسب، بل يختبر بصورة أكثر عمقًا قدرة الدولة على إدارة بيئة تتداخل فيها المتطلبات الأمنية والمالية والإنسانية والخدمية، وعلى تحويل الموارد المحدودة إلى قدرة فعل مؤسسية مستدامة. وفي هذا السياق، لا تتحدد قدرة الحكومة على مواجهة الحرب بحجم الموارد المتاحة لها فقط، وإنما بقدرتها على تعبئتها، وتحديد أولويات استخدامها، وضبط الإنفاق، وتنسيق مؤسسات الدولة، وإدارة العلاقة بين المستوى المركزي والسلطات المحلية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية في بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة والانقسام المؤسسي.

وتزداد صعوبة هذا الاختبار في ظل ضيق الحيز المالي المتاح للحكومة. فقد أظهر البنك الدولي أن إيرادات الحكومة المعترف بها دوليًا تراجعت إلى 5.6% من الناتج المحلي في 2025، مقارنة بـ8.6% في 2024، فيما أدى تقلص الموارد إلى ضغط مباشر على الإنفاق العام، بما في ذلك الرواتب والدعم والإنفاق الأساسي. كما أشار البنك إلى أن توقف صادرات النفط، وضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع المنح الخارجية، وانخفاض الطلب المحلي، حدّت بصورة كبيرة من قدرة الحكومة على تمويل وظائفها الأساسية.

ولا تكمن المشكلة، بالتالي، في ندرة الموارد وحدها، وإنما في محدودية قدرة الدولة على توليدها وإدارتها بكفاءة. ويكشف البرنامج الذي توصلت إليه السلطات اليمنية مع صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز 2026 عن طبيعة الاختلالات التي تواجه الإدارة المالية والنقدية؛ إذ يركز البرنامج على تعزيز تحصيل الإيرادات، وإدخال الإيرادات والنفقات التي كانت خارج الموازنة ضمن الحسابات الحكومية، وتشديد الرقابة على الإنفاق، والعمل على إنشاء حساب خزانة موحد، إلى جانب تحسين إدارة الشركات الحكومية والالتزامات الطارئة. وهذا يعني أن جزءًا أساسيًا من مشكلة الدولة لم يعد متعلقًا بحجم الموارد فقط، بل بمدى وضوحها، والسيطرة عليها، وإدماجها في دورة مالية حكومية قابلة للرقابة والمساءلة.

ويبرز استئناف صادرات النفط بوصفه أحد أهم الاختبارات العملية لهذه القدرة المؤسسية. فقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في 20 يوليو/تموز 2026 العمل على استئناف صادرات النفط بعد توقفها منذ عام 2022، مع توجيه عائداتها لدعم الموازنة وصرف الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. كما بدأت الحكومة ترتيبات فنية وأمنية لإعادة تشغيل الصادرات، بما في ذلك تأمين المنشآت والموانئ النفطية.

لكن الأهمية المؤسسية لهذه الخطوة لا تتعلق بمجرد عودة النفط إلى الأسواق، وإنما بما ستفعله الدولة بالعائدات بعد تحصيلها. فاستئناف التصدير لا يصبح مكسبًا ماليًا مستدامًا ما لم تُربط الإيرادات بمنظومة واضحة للتحصيل والإيداع والإنفاق والرقابة، وتُمنع إعادة إنتاج أنماط الإنفاق غير المنضبط أو توجيه الموارد بعيدًا عن الأولويات العامة. كما أن استدامة الصادرات نفسها تظل مرتبطة بالقدرة على حماية الحقول وخطوط النقل وموانئ التصدير، في ظل التهديدات المستمرة للمنشآت النفطية والممرات البحرية. وتشير التقديرات إلى أن صادرات النفط والغاز كانت قبل توقفها تمثل مصدرًا رئيسيًا لإيرادات الحكومة وللنقد الأجنبي، ما يجعل استعادتها فرصة مهمة، لكنها في الوقت ذاته تكشف مدى اعتماد المالية العامة على مورد واحد شديد الحساسية للاضطراب الأمني.

ومن هنا، ينبغي ألا تتحول عودة النفط إلى مجرد آلية لتمويل النفقات الجارية، بل إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام المالي للدولة. ويشمل ذلك توسيع الإيرادات غير النفطية، وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، وتحسين قواعد البيانات الحكومية، وربط الإنفاق بالأولويات، وتعزيز أجهزة الرقابة والمراجعة، وإدخال المؤسسات والشركات العامة في إطار مالي أكثر شفافية. وقد شدد صندوق النقد الدولي بالفعل على أهمية الرقمنة في الإدارة الضريبية والجمركية، وتعزيز ضوابط الالتزام بالإنفاق، وتوحيد أرصدة الحكومة، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة.

ويفرض التصعيد كذلك اختبارًا مباشرًا على البنك المركزي والنظام المالي. فقد أدت الحرب والانقسام المؤسسي إلى إضعاف قدرة النظام المصرفي على أداء وظائفه بصورة طبيعية، فيما تراجعت مؤشرات متانة القطاع المصرفي وارتفعت المخاطر المرتبطة بالسيولة ورأس المال. وفي المقابل، يمثل انتقال البنوك الرئيسية إلى عدن فرصة لإعادة بناء إطار رقابي ومالي أكثر اتساقًا، شرط أن ترافقه إصلاحات في الرقابة المصرفية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وحماية العلاقات المصرفية الخارجية، وتحسين قدرة البنك المركزي على إدارة سوق النقد الأجنبي.

وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل اعتماد استقرار المالية العامة وسعر الصرف على التدفقات الخارجية. فقد ساهم الدعم السعودي في تمويل رواتب القطاع العام ودعم استقرار العملة؛ إذ أشارت الحكومة اليمنية إلى أن دفعة سعودية بقيمة 224 مليون ريال سعودي في يونيو/حزيران 2026 استهدفت دعم الموازنة وانتظام صرف الرواتب واستقرار العملة وتمكين مؤسسات الدولة من الوفاء بالتزاماتها. كما أشار صندوق النقد إلى أن تدفقات الدعم الخارجي ساعدت في دعم استقرار سعر الصرف خلال الفترة السابقة.

غير أن الاعتماد على الدعم الخارجي يظل حلًا مؤقتًا للاختناق المالي، لا بديلًا عن بناء قدرة الدولة على توليد الموارد وإدارتها. وتزداد أهمية ذلك مع اتساع التصعيد وارتفاع كلفة الأمن والطاقة والنقل والخدمات، ما يفرض موازنة دقيقة بين الرواتب والإنفاق العسكري والصحة والتعليم والبنية التحتية والاستجابة الإنسانية، ضمن أولويات واضحة وآليات رقابة تمنع الإنفاق غير المنضبط.

أخيرًا، يكشف التصعيد في اليمن أن اختبار الدولة لا يرتبط بقدرتها على توفير موارد إضافية بقدر ما يرتبط بقدرتها على تحويل ما يتوافر لها من موارد إلى قدرة مؤسسية قابلة للاستمرار؛ فاستئناف النفط والدعم الخارجي وتحسين الإيرادات وإصلاح النظام المالي والمصرفي لن تحقق أثرًا مستدامًا ما لم تُدمج ضمن منظومة حكومية منضبطة وشفافة، قادرة على ترتيب الأولويات وحماية الموارد وتوجيهها نحو الوظائف الأساسية للدولة. ومع اتساع الضغوط يصبح تعزيز المؤسسات وتوحيد الإدارة المالية وربط المركز بالمحليات وضمان استمرارية الخدمات جزءًا أساسيًا من إدارة التصعيد وليست مسارًا منفصلًا عنه. وبناءً عليه، فإن نجاح الحكومة في هذه المرحلة سيُقاس بقدرتها على منع الحرب من التحول إلى مزيد من التفكك المؤسسي واستنزاف الموارد، وتحويل الضغوط الراهنة إلى فرصة للانتقال من إدارة الطوارئ إلى الاستقرار والتعافي.

Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.